المشهد الثقافي و المؤسساتي في غزة ... كرنفال للهبل و الدجل !

 
 

 

بلقم : أحمد عرار

ahmed_arar@hotmail.com

 

        تمتلئ الساحة الثقافية و المؤسساتية في غزة بنموذج المثقف المهرج، الحاضر بكثافة صوتية تمارس لعبتها بكاريزما عالية جدا في خطف الأضواء، نموذج الوصولي، المتسلق، الأرزقي،  المرتشي،الجشع، والمنافق، كاتب التقارير الملفقة، والنصوص المزّورة، مُعد ومعطي التدريبات السيئة و الرديئة. الذي يعرف من أين تؤكل الكتف، ومن ثم كيف يروج لبضاعته الكاسدة من خلال لعبة الدعاية والعلاقات العامة والمقاولات الثقافية. هذا النموذج الذي يشكل الوجه العام في المشهد الغزي يتفنن دائما في توظيف مواهبه "غير الثقافية"، عبر إقصاء الأصيل والجيد والحقيقي، من خلال تخوينه والتشكيك في براءته و كفئاته واتهامه "بغرابة الأطوار" أحياناً، ليتم بالتالي استبعاده إكراهيا أو اختياريا من قبله.

ويكفي مراجعة بعض أسماء نشطي المؤسسات والذين يحصلون على عمل بشكل دائم وأسماء الحاضرين على المشهد الثقافي عبر المسابقات الأدبية والفنية بشكل دائم خلال السنوات السابقة، لنجد الأسماء نفسها تتكرر بصورة مقززة، ينضاف إليها بين موسم وآخر، بعض ما فرخته معامل الاستنساخ من أشباه "الدائرة الحلزونية" التي تتناسل ضمن شروط الحفاظ على النمط البراغماتي، كحتمية جينية، تتشبث بنوعها وراثيا. ومن هنا لا نستغرب إذا ما تبوأ نموذج المثقف المهرج موقع الصدارة، وأضحى يسوّق نفسه، ويروج لموقعه باقتدار ومهارة، ليعبر بامتيازعن طغيان مثقفي مرحلة السوق بشرطها "الاستهلاكي" الذي يعطي أهمية بالغة للصناعة الإعلانية "propagandaا"، بغض النظر عن أهمية الخطاب الثقافي، ومضمون المنتوج الأدبي أو الفكري. ولهذا أمسى هذا النموذج، هو السائد والمسيطر في منظومة صناعة ثقافة العناوين البراقة "المانشيتات" بكل أشكالها ومعاييرها وألوانها وخطوطها العريضة، ولا سيما تلك التي تمولها وتشرف عليها مؤسسات المجتمع المدني ثقافية و تدريبية وخيرية و غير ذلك.

و إذا ما أضفنا إلى ذلك تشابكات المشهد السياسي "الحزبي و الفصائلي" سنجد صورة مشابهة للصورة المؤسساتية السابقة مع زيادة حدة التشويه، لان هذه الصورة تقوم أصلا على استبعاد الكفاءات حتى و أن كانت هذه المؤسسات الحزبية تدعي الاستقلالية.

هذا المشهد السياسي يمتد ليصل بحكم قربه و قرابته من موقع صناعة القرار، المبنية دائما وأبدا، على التزلف والمداهنة، يمثل عنواناًَ أشد لمعاني ثقافة الـ "propagandaا"، ، فشخوص هذا المشهد موضع ثقة لا تتزحزح من السلطة الثقافية.

هذا المشهد الثقافي و المؤسساتي الغزي يُمسي أفراده مساهمين بحيوية مرحة، ونشيطة جدا،في تضخيم تهيؤاتهم وتكريس تخلف المشهد بشكل عام، بأشكال يتعذر توصيف مدى دهائها وحنكتها حتى تحافظ وبالضرورة على أهمية تواجدها، لتُمسي في نظر المؤسسات الثقافية العامة، ممن يعول كثيرا على حيويتهم، في تسيير دفة الحراك الثقافي بصورته الدعائية، ليصل في الحد الأدنى وظيفيا، إلى مرتبة "المستشار الثقافي". إضافة إلى توليه تسيير وإدارة أهم المرافق والهيئات الثقافية والإعلامية، كذلك العضو الأبرز، والأكثر فعالية في اللجان الاستشارية التي يُناط بها  وضع التصورات والمقترحات للخطط الثقافية ومشاريعها الإستراتيجية الفاشلة ،والتمثيل بجدارة عن الحيز الباهت والهش، من المشهد الثقافي.

هذا النموذج  يحاول و بشكل فاحش أن يحافظ على صدارة مواقعه وسلطاته المنشطرة والمتعددة، باحتكار بالغ الحرص، فيظل  في حالة استنفار قصوى، هي دائما شديدة الحساسية إزاء أية بادرة ثقافية، للتجديد والتحديث والتجريب والتغيير، لذا تراه لا يتوانى عن  تبخيس الأنقى، والحط من شان الأجدى والأبدع، الأكثر أصالة وتذوقا ووعيا.

فقد بات في وسع المثقف "المهرج" بدافع مركبات النقص، كسمة محورية  في شخصيته المريضة،  وخاصة عندما تغيب الحدود الدنيا من معايير التهذيب التي تمليها الأخلاق و القيم، أن يكشر عن أنياب أبلغ العبارات سخفا، وأن يمعن من دون هوادة، سادرا في تحقير تجارب غيره، بقصد الحط من شأنهم .

لذلك كله تفاقمت بصورة غامضة ومتشابكة  مسألة قمع الجديد ، واستعداء المختلف وتتفيه المميز،والتي تندرج  ضمن أوالياته الدفاعية عن رسالته الثقافية المشخصنة، والملتبسة ضمناً بوهم رسالة الدفاع عن الوطن و المؤسسة و الحرص على الثقافة، مجندا كافة السُبل الخسيسة، لتصفية حساباته الشخصانية جدا. ولعل هذه الوقاحة الفاحشة هي وحدها الأكثر مسؤولية في استمرارية صناعة الهشاشة الثقافية بقوة لا تضاهى. الأمر الذي يبرر حتى الآن مدى صمود تخلف مشهدنا الثقافي.

 

 

السبت – 25/10/2008م

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية