نسويات

مدونة خاصة بالفكر النسوي، تسعى لايجاد منبر نسوي عربي من خلال الابحاث و الدراسات و عروض الكتب

اللاوعي و مشكلة المرأة

 
اللاوعي و مشكلة المرأة
 

 
بقلم أحمد عرار
كاتب و باحث فلسطيني
ahmed_arar@hotmail.com

 
 
"إن فهم الآخر ما لم يكن مصاحباً باعتراف كامل به بوصفه ذات، مهدد بأن يُستَخْدَم في تحقيق غايات استعلائية، بحيث تصبح المعرفة سبيلاً للتسلط". من رسالة بحث في منشأ وأسس عدم المساواة لجان جاك روسو
 
إن اللاوعي هو ما يؤسس الذهنية العقلية التي ينبني عليها سلوك الفرد و فكره ومن ثم يضع الأيدلوجية التي تحكم علاقته بالآخرين، هذا اللاوعي هو ما يبرر سلوكنا الخاطئ تجاه المرأة أو لنقل هو ما يشرعن العنف تجاهها من خلال اللاشعور الجمعي المتجذر والذي لا سبيل لتغييره إلا بإعادة انقلاب معرفي "ابستمولوجي" يعيد صياغة العقل ويعيد برمجة لاوعينا الجمعي.
ومن خلال هذه  الرؤية التي تفتش وتفكك الأنماط الثقافية للعنف يمكن فهم وحل مشكلة المرأة والتي عملت التربية الذكورية على احتقار كينونتها وجعلها مسكون جسدي هامشي .
إن مشكلة المرأة تبدأ منذ الميلاد كما تقول "كارول بي كريست" في كتابها "الصوفية النسوية" ففي سن مبكرة جدا تتأكد البنت بأن ما تعنيه إنها أنثى إن أشقاءها الذكور لديهم الحق في أن يطلبوا المزيد من اهتمام أمهم ، وان أبوها لن يلعب معها الكرة . و يعني كونها أنثى إنها حتى لو حصلت على أعلى الدرجات ، فان مهنتها لن تحظى بالأهمية مثل مهنة الولد الذي يحصل على درجات متوسطة . فكونها أنثى يعني إنها ليست مهمة، إلا في علاقاتها مع الأولاد و الرجال . و يعني ذلك أن لديها رسالتين متناقضتين . فالوالدين و المدرسين نادرا ما سيخبرون البنت إنها اقل أهمية من أشقائها الأولاد الآخرين ، لان ذلك يناقض المثالية "للمساواة و العدالة للجميع" التي يدعو لها المجتمع . لكن الرسالة الخاصة بدونيتها سوف تصل إليها بطرق خبيثة و ملتوية عن طريق قلة الاهتمام و التقصير في تغذية إمكاناتها في النمو و التطور ، و عن طريق توقع إخفاقها في المهام الصعبة . و نظرا إلى أن الرسائل مختلطة فقد تشعر المرأة أن عدم اهتمام أمها أو أبيها أو مدرسيها بها إنما ينبع من وجود خطأ معين من جانبها . هذه الأصوات و غيرها للقامعين لها و التي تبدو كأنها تنبع من داخلها مع هذه التيارات من مشاعرها بالدونية و كره الذات ، تنفذ و تتغلغل إليها بقوة و عمق.
و هكذا تتعلم النساء الشك في قيمة أفكارهن ومشاعرهن و إبداعهن و تسلمن بان الأشياء التي يفعلنها ليست لها قيمة . و يوافقن على أن أعمال المنزل و رعاية الصغار ، أو العمل كممرضة أو سكرتيرة أو حتى مدرسة هي أعمال لا تتطلب أي قدر من الإبداع أو المهارة ، و أن أي شخص يمكنه القيام بها . فهن يعتقدن أن عمل الرجال سواء أكان في تصليح السيارات أم العمل على خط إنتاج في مصنع أم بناء منزل هو عمل بالغ الأهمية أكثر مما تفعله النساء بكثير، وإذا جرأن على تحدي الأنماط التقليدية فسوف يعلمن أن أجلا أو عاجلا إن ذكاء المرأة و إبداعها و قوتها غير مقبولين .
اللاوعي  وإغواء الرجل:
 إن الخصائص و السجايا التي تثمن عاليا في الرجال تبدو إنها "مهددة" في النساء اللواتي تقوم جاذبيتهن للرجال على إنهن يغذينا إبداع الرجال و ليس في التعبير عن أنفسهن . تغدي الثقافة الذكورية المرأة بحالة عدم الملائمة و التي تتلخص في مشاعرها تجاه جسدها . فالمرأة يمكنها أن تحصل على موافقة الرجال و حبهم بأن تبدو جميلة المظهر. إلا أن "أمها التي تنقل إليها التذبذب وعدم التأكد وكذلك وسائل الإعلام تخبرها بأنها ليست جميلة بطبيعتها ، إذ انه ينبغي عليها أن تلتزم نظاما غذائيا لتخلص نفسها من السمنة المقيتة ، أن تضفر شعرها و تفرده أو تصبغه أن تتعلم وضع الماكياج ، تتعلم كيف تلبس كيف تجلس، تقف، تمشي، من اجل أن تصبح مقبولة. يجب أن تزيل الشعر من ساقيها و من تحت أبطيها ، أن تنتف حواجبها ، أن تزيل الشعر من ذراعيها و من وجهها لكي تغدو مقبولة يجب ألا تنسى أبدا العطور و مزيلات الروائح ثم هناك بين ساقيها تلك البقعة السوداء التي تنزف منها كل شهر ينبغي عليها أن تفعل كل ما بوسعها لإنكار وجود تلك البقعة ينبغي عليها أن تخفي كل شهر ما يدل على سرها الدامي مطلوب منها أن تستخدم الحفاضات و الرشاشات المهبلية لإخفاء الروائح الأنثوية". (الغوص عميقأ و الصعود إلى السطح- كارول كريست) .
هذه الرسالة الواضحة التي تشحنها الأم في عقل ابنتها و التي تجعلها تشعر بان هناك خطأ ما في كونها امرأة هي نتاج أو لنقل هي إعادة إنتاج للرأس مال الرمزي حسب بوردييو للاوعي البطريركي.
 
إطار للحل:
 
في إطار الحل يجب فهم المفردات المعرفية التي تتحكم في لاوعي الرجل و المرأة على حد سواء في المجتمع، من أجل فهم الدوافع التي تكمن وراء هذا التمييز تجاه المرأة.
إن المجتمع يتركب ثقافيا من القيم والتقاليد والمعايير والأعراف، وغيرها من محددات ألإدراك والسلوك الإنساني، و هو يعمل دائماً وبصورة آلية على نقل هذه المفردات إلى مجموع أفراده، ليحافظ على بنيته الجماعية، وبهذا الشكل يأخذ الطفل اللبنات المستخدمة في بناء المنظومة ألإدراكية من المجتمع الذي يعيش فيه ممثلاً بمؤسساته، العائلة و المدرسة و الجامعة، ومن ثم تصبح آلة الفرد ألإدراكية مطبوعة بطابع المجتمع، ويحتفظ المجتمع بالأثر الأكبر في التأثير على بنية الفرد المعرفية، من خلال نقله لجملة عقائده وأعرافه ومعارفه، لأفراده، وخاصة الأطفال منهم، ولذلك نجد دائماً أن أفراد المجتمع الواحد يشتركون غالباً بمساحة واسعة من المعارف والعقائد وغيرها، وهي ما يسمى بـ(اللاشعور الجمعي) الذي هو: "رواسب دفينة في النفس ترجع إلى تجارب وخبرات النوع الإنساني يمتد بعضها إلى الماضي السحيق وما ورثه الناس من أصلهم الحيواني ومن الإنسان البدائي الأول، وما تركته فيهم تجاربهم الاجتماعية في العشيرة والقبيلة والأمة، وما ترسب في نفوسهم من خلال تجاربهم الخاصة، إضافة إلى مخايلهم المتعلقة بالمستقبل". (عبد الهادي عباس - المرأة والأسرة في حضارات الشعوب وأنظمتها).
إذا نفهم و من خلال كل ما سبق في أن الحل يكمن في إعادة صياغة لبيدغوجيا التربية داخل المدرسة و الجامعة و في وسائل الإعلام ليعاد صياغة اللاوعي الجمعي ايجابيا تجاه المرأة.


Add a Comment